عبد القادر محمد صالح
8
التفسير و المفسرون في العصر الحديث
وقد يسأل سائل : ما السر في كون الكتاب « القرآن » معجزة لمحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟ الحق : أن المعجزة العقلية ثابتة خالدة ، في حين أن المعجزة الكونية فقط - كأن ينشق البحر ، أو ينفلق القمر ، أو يحيي الموتى - مؤقتة ، فهي حجة على من شاهدها أو نقلت له نقلا متواترا أفاد اليقين . لذا كان القرآن المعجزة دليلا عقليا على صحة دعوى محمد صلى اللّه عليه وسلّم بالنبوة والرسالة ، بل كان القرآن الناقل بالتواتر معجزتي موسى وعيسى ومعجزات الرسل الآخرين ، فتوجب على من آمن برسالة محمد وصدق بكتابه المعجز الإيمان بمعجزات الرسل السابقين التي حفظها لنا القرآن . ولم يكن القرآن حافظا لأخبار الآخرين من الأقوام ، ولا حافظا لمعجزات المرسلين السابقين ، إنما كان كتاب هداية ورحمة للعالمين وفيه خير العباد ، ونظم حياتهم في الأولى والآخرة . لهذا ولغيره كان القرآن محلّ اهتمام عظيم من المسلمين في صدر الدعوة الإسلامية ، وازداد الاهتمام فيما بعد ، وكتبت المؤلّفات والدراسات حوله ، فمن هذه الدراسات : اللغوية بأنواعها البلاغية والصرفية والنحوية . . ثمّ كان علم القراءات المترافق مع علوم التفسير . . . بل لا أظنّ نفسي مجانيّا الحقيقة ، ولا مبتعدا عن جادة الصواب إذا قلت : إن كلّ علوم القرآن نشأت بفترة واحدة يتقدم هذا العلم على غيره خطوة أو أكثر ، إلّا أن البحث في علومه وأسراره كانت محل جهد عظيم ، ونظر مستمر من قبل العلماء الذين بذلوا ما بذلوا من جهود قلّ نظيرها . . . ولم تمض فترة غير طويلة حتى وجد المسلمون أنفسهم يمتلكون زادا معرفيا ثقافيا ومرجعية شاملة مؤسسة على الدرس والتمحيص لا على الهوى والانفعال . . . كل ذلك كان الفضل فيه للقرآن الذي أثّر في النفوس والعقول : هذّب الأولى وربّاها فإذا بالعقل ينطلق قويا متحركا مبدعا ليضخّ في المكتبة الوليدة ثراء علميا لا مثيل له ، فإذا بهذه المكتبة تصبح الرائدة في العالم في فترة قصيرة جدا . فكانت التفاسير القرآنية أحد أعمدة هذه المكتبة . وقد تطوّر التفسير الذي ظهرت بواكيره منذ صدر الإسلام الأول حتّى ظهرت دراسات فذة ، وأعمال ناضجة على يد المفسّر القيرواني في إفريقيا ، وعلى يد ابن جرير الطبري ثم ما تلاهما من دراسات الزركشي في « برهانه » والسيوطي في « إتقانه » وما بينهما ظهرت كتب وتفاسير عدة أسهمت قديما ، وما زالت تسهم حديثا في تجلية الفهم ، وإيضاح ما يحتاج إلى توضيح من الكتاب الكريم .